السبت، 5 يونيو، 2010

اللقيط


كان كل صباح يفتح باب بيتهم ويركض مسرعا إلى الخارج عله يجد أحدا يلعب معه، كان كل همه اللعب... لكن ما إن يقف أمام أقرانه حتى يحس بتجمد أطرافه، الرغبات تتسارع بداخله محاولة الإنفلات منه لكن شئ ما كان يكبتها ويدفعها للتتراكم. زرع في نفسه الخوف والرعب يوما بعد يوم، في بادئ الأمر كان أقرانه ينادونه للعب لكن ما أن اكتشفوا رفضه حتى اتخدوه موضوعا للسخريه، لطالما عاد إلى البيت والحنق يخنقه والدموع تتراكم في عينيه منتضرة إذنه بالإنسياب فقد كانت لديه قدرة عجيبة على كبح وتأجيل دموعه...
تسأله والدته: ألعبت مع أصدقائك يا بني؟
يجيبها بكل ثقه: بالتأكيد، لعبنا وركضنا وقفزنا و..و..و...
ما إن يتم سرد حكاياته المنسوجة من خياله الواسع حتى يركض إلى حجرته ويغلق عليه بابها ويتخد ركنا من أركانها ويطلق العنان لعبراته التي ملأت مقلتيه حتى كادتا تنفجرتان، كانت الرغبة بالبكاء هي الرغبة المؤجلة الوحيدة التي تأخد نصيبها من التحرر من ذلك الجسد الملئ بالتناقضات.
في تلك الليلة الماطرة الحالكة السواد، استلقى على ضهره فوق سريره وشرع في التفكير طويلا في كلمة نودي بها لم يفهمها ضن أنها كلمة كباقي الكلمات التي يلقبه بها أصدقائه، لكن لماذا تذكرها الآن؟ ما الذي جعلها تتبادر إلى ذهنه؟
كانت كلمة غريبة ليست كسابقاتها فلم يسمعها من قبل قط!! فكر في معناها طويلا إلى أن غلبه النوم فغرق في سبات عميق.
استفاق صباحا على صوت والدته الحنون، تناول فطوره وحمل حقيبته على ضهره قاصدا مدرسته. في الطريق إليها سمع صوتا يناديه من بعيد، كانت علامات الإستغراب بادية على محياه وتبادرت إلى ذهنه أسئلة كثيره طغى عليها السؤال: يا ترى من يناديني؟
أدار رأسه ببطء شديد فوجد المنادي زميله الذي يجلس بجانبه في الفصل، أحس بسعادة يختلجها شئ من الإستغراب فقال: إياي تعني؟
ـ أجل إياك أعني، أرني ما أنت ماسك في يدك.
بكل برائة فتح له يده ليكشف عن لمجته التي كانت عبارة عن قطعة حلوى ملفوفة في منديل ورقي.
ـ هاتها!!
إستجمع شجاعته وصرخ في وجهه:ـ لا لن أسمح لك بالإستيلاء علي بعد الآن، إنها ملكي وأمي من أشترتها لي.
ـ هههههههه، أمك؟
أجاب باستغراب:ـ أجل أمي!
ـ لم أكن أعلم أن لك أما أيها اللقيط!!!
إستغل الطفل اندهاشه واختطف القطعة من يده وتابع طريقه كأن شيئا لم يكن.
فقال متحدثا إلي نفسه:ـ أجل إنها نفس الكلمه التي سمعتها البارحه ولكن ما المقصود بها؟ لابد لي أفهم معناها، واليوم.
ركض بقوة قاصدا مدرسته، دخل الفصل متجها نحو أستاذه واستفسره عن معنى الكلمه... ما إن سمع الرد حتى أحس بحبل يلتف حول رقبته ، شعر باختناق، وضع يده على صدره محاولا حبس قلبه الذي شعر أنه سيقع متحررا من سجن جسده الذي تعب منه، أدار رأسه نحو أستاذه ليجده منهمكا في التصحيح غير آبه بما أصابه، نظر إليه نظرة طويلة ملؤها الإنكسار وكأنه يلومه، وكأنه يعاتبه... وكأنه يشكره فرغم قساوة الجواب إلا أنه فتح عينيه على واقع رغم مرارته فهو واقعه وسيعلمه عاجلا أم آجلا...
حمل حقيبته وخطا خطى دليل منكسر... طرق باب البيت، فتحته أمه متعجبة:ـ ما الخطب؟ ألم يأت الأستاذ؟
ـ من أنا؟
نزل السؤال كالصاعقة على قلب الأم التي حاولت إخفاء دهشتها:ـ وهل هذا سؤال؟ أنت إبني...
ـ لست كذلك، أنا مجرد لقيط أشفقت علي وأبيت أن تدعيني فريسة لذئاب الطريق، ولكن لماذا أخفيت علي حقيقتي الحقيره؟ لماذا لم تتركيني وشأني كي أتعود على حقيقتي وأتأقلم معها منذ البدايه؟ لماذاولماذا ولماذا...
تراكمت الكلمات بداخله وفضل أخيرا السكوت.
كانت أمه جالسة أمامه كالمذنبة أو المجرمة أمام قاضيها، لم تستطع إطالة النظر إليه فوجهت نظرها للأرض منكسره، لطالما ضنت أنها فعلت جميلا... لم تنتظر يوما جزاء فقد أحبته حب الأم لإبنها وأكثر واعتبرته هدية الله التي لم تضعها بطنها...
رفعت رأسها لتكتشف أنه ما عاد هنا بجانبها، لتجد المكان فارغا من حسه، بحثت عنه في جميع أرجاء البيت... لكنها لم تجد له أثرا.
خرجت مسرعة باحثة عنه، منادية عليه كالحمقاء لتلمح من بعيد تجمهرا، بدون تفكير إتجهت نحو المكان لتجده غارقا في دمائه وسط الطريق ما إن رآها حتى لفظ أنفاسه الأخيره ورحل بسلام.
فيا أيها الناس،
قبل أن تستسلموا لشهواتكم وقبل أن تلطخوا وجه الفضية بالوحل وقبل أن تتخدوا من الرذيلة مأوى لكم... فكروا قليلا في ما قد تخلفونه من تعاسة وذل لأبرياء لم يقترفوا ذنبا...

هناك تعليقان (2):