بعد يوم طويل وشاق دخل بيته أخيرا وانزوى في ركنه الركين المعتاد وقعد كالعادة يحاسب نفسه ويالها من محاسبة؛ محاسبة تضني النفس أكثر مما تريحها وليتها تأتي بفائدة، هو يعرف أنه لا يتغير ولكنه يأمل ويطمح إلى يوم تنقلب فيه كل موازين حياته... إلى الأفضل طبعا ولكن الأيام تعدوا به نحو الشيخوخة وهو لا ينفك يعذب نفسه كل يوم ويرفع أكفه للسماء متضرعا إلى الله أن يغيره ناسيا أن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
نفس الأسطوانة يرهق بها آذان الجدران كل ليلة: "لقد تهورت وتسرعت كثيرا... أتعبت قلبي أكثر مما يجب؛ أخطأت وما كنت لأفعل لو أنني حكمت عقلي وما استسلمت كالعادة لانفعالاتي ونرجسيتي، لماذا أرضي دائما شيطاني وأبلغه مبتغاه؟
كنت قاسيا اليوم أكثر مما يجب، لم يكن لقسوتي أدنى مبرر... سأصلح خطئي، سأشتري له الكراسة التي مزقتها ورميته بها... سأحنو عليه، سأعوضه عن كل ما فات وسوف أعتذر... نعم سأعتذر منه لأنني ظلمته وذبحته من الوريد إلى الوريد...
نعم أخطأت حين ناديته باللقيط ولكنني لم أقصد... كنت منزعجا وغاضبا ورمته الأقدار أمامي!
ترى هل كفت دموعه عن السيلان؟ هل نسي الأمر برمته؟ هل هدأ وجعه على جسده؟
وقلبه!
هل ياترى كف عن الخفقان؟
سأكف عن لعب دور الجلاد، سأكف عن تنفيذ أوامرك ياسوطي، سأمزقك يالائحة الضحايا لأنه حتما لن يكون هناك ضحايا بعد اليوم!
..."
بسط رجليه ونام في نفس المكان حاضنا بين ذراعيه أملا في غد أفضل وقلب أصفى، ومتطلعا نحو مصالحة قلبه مع نفسه...
إستفاق باكرا كعادته متشوقا لبدء يوم جديد غير عادي، يوم ينقله من جحيم إلى جنة نفسه. إستحم وإرتدى معطفه وتوجه إلى هناك... إلى حيث أمضى أصعب أيام حياته... إلى حيث سيمضي أجملها من اليوم...
دخل الفصل وقعد على كرسيه، تطلع إلى أعينهم الخائفة خوف النعاج من الذئب الماكر الجائع... قام من مكانه ووقف أمام الصفوف يبحث بعينين شاردتين عن ضحية البارحة...
إنه هناك، يسترق إليه النظر بحيطة وحذر، يرمقه بخوف يكاد يقفز من عينيه الذابلتين ذبول الوردة المحتاجة إلى الري والإهتمام...
إستجمع أنفاسه وناداه عازما على إصلاح ما يمكن إصلاحه وهنا حدثت الكارثة... ما إن سمع الطفل إسمه حتى ارتمى خارجا كالملسوع ولم يستفق حتى وجد نفسه وسط الشارع أمام قدره المحتوم!
وقُتِلت الوردة مرتين!




