الجمعة، 20 أغسطس، 2010

ما أقساك يا أرذل العمر!

جلس على عتبة باب بيته يلف سجارته بيدين مرتعدتين وينتظر... ينتظر حدوث شئ ما فقد تعب الوحدة والسكون والهدوء!!!
يتذكر كل لحظة بل كل هنيهة أنه كان سيد قومه لكن ما أقسى أرذل العمر، لم تعد شفتيه تنبس سوى بكلمة: آآآآخ. كلمة تحس فيها المرارة المرتبطة بقلة الحيلة والحسرة بعد خدلان أقرب المقربين ونسيان أحب الأحباب، أقصد من كانوا مقربين وأحباب...
متذكرا كل الماضي وكل العز الذي ولّى، يرمي بنظره بعيدا في ترقب وانتظار وخيبة، شرع في تدخين سجارته التي تستعطف قسوته بشراهة وكأنه يصب عليها غضبه وانهزامه، يتذكر أغاني الزمن الجميل التي لطالما رددها في شبابه ويستوفقه الحنين لأم أولاده التي كانت خير ونيس وجليس ويحس للحضة أنها خانته خيانة أبنائه له حين سرقها الردى وخلفته كظيما ذليلا.
ـ آآآآآخ، ماأقساك يا أرذل العمر! ما أقساك أيها الوهن!
جلجل صوته الآفاق مناديا لكن هل من مجيب؟ هل من ملب لنداء الضعيف العليل؟
ـ وهذه الأرض الطيبة من لها بعدي؟ أين أنتم يا خلفي في هذه الدنيا؟ أين هم صرخاتكم وضحكاتكم التي ملأت هذه الأرض يوما؟ ليتكم بقيتم أطفالا تحيطون بي وتلعبون حولي وتركضون خلفي بكل براءة! يا حسرة على الماضي الجميل!
قال هذا وشخص ببصره بعيدا وكأنه يستكشف شيئا، وقفت سيارة فارهة أمامه وفتح الباب لينزل شخصان ويقفان أمامه ساكتين، إستجمع أنفاسه ورمى بسجارته بعيدا وأرتمى على أحدهم إرتماءة شوق وحنين وشرع في تقبيل يديه وكتفيه وهو يشكر الله ظنا منه أن نداءه لُبِّيَ وعاد إبنه ليسكن إليه ويعينه على نوائب الدهر بعد أن هُجِرَ ونُسِيَ.
لم يكن من إبنه الواقف أمامه إلا أن دفعه دفعة أفاقته من سباته العميق فوقف مترنحا لا يعي شيئا، فكأن لسانه أُخرِص وكأن حركته شُلَّت وكأن خنجرا مسموما غُرِس في قلبه فسقط مغشيا عليه واستفاق بعدها على صوت الآهات المحيطة به ليكتشف أنه رُمِي وسط مركز للعجزة، فمن منادي إلى متسائل إلى مُوَلْوِلٍ إلى صارخ ...
فما أقساك يا أرذل لعمر!
ربما سيجد الكثير من هؤلاء الإهتمام الذي سيرحم شيخوخته وكبرهم أمام جيل تخشع قلوبهم لقوله تعالى:
(واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)
لكن ماذا عن أجيال اليوم المخيفة التي لا يسمح لها وقتها بإخضاح جناح الذل من الرحمة؟

هناك 5 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. موضوع في الصميم
    شاهدت سابقا عدم صبر الابناء على تصرفات اباءهم لما يكبرون .
    شخصيا لا استطيع التخلي عن والدي ووالدتي ورميهم في مركز للعجزة
    فكما اعتنايا بي ساحاول قدر المستطاع الاعتناء بهم

    ردحذف
  3. (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)

    هذه الآية هي مربض الفرس، أختي الكريمة، فمن عمل بها كان لهم الأجر والثواب في الدنيا والآخرة..

    ذكرتني بعمل قمت به منذ مدة طويلة، سيسعدني لو زرتيه

    http://sohba-liberter.blogspot.com/2010/05/blog-post_08.html

    ردحذف
  4. أسلوب رائع
    الوالدان كنز عظيم من كنوز هذه الدنيا فسئل من فقدهما صغيرا هو منى يعرف بحق قيمتهما

    ردحذف